الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
104
الأخلاق في القرآن
لإيقاع الإنسان في مستنقع الرّذيلة ، وشراك الخطيئة . هذا الرأي مقتبسٌ في الأصل ، من حديث الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله ، المعروف ، عندما خاطب الرسول صلى الله عليه وآله ، قومٌ من المجاهدين ، رجعوا لتوّهم من الغزو فقال : « مَرحَباً بِقَومٍ قَضَوا الجِهادَ الأَصغَرَ وَبَقيَ عَلَيهِم الجِهادُ الأَكبَرُ ، فَقِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ ، ما الجِهادُ الأكبرُ ، قالَ : جِهادُ النَّفسِ » « 1 » . وجاء في البحار في ذيل هذا الحديث : ثُمّ قَالَ صلى الله عليه وآله : « أَفضَلُ الجِهادِ مَنْ جاهدَ نَفْسَهُ الَّتي بَينَ جَنْبَيهِ » « 2 » . هذا وقد فُسّرت بعض الآيات التي وردت في دائرة الجهاد ، بالجهاد الأكبر ، إمّا لأنّها تخصّ الجهاد مع النفس ، أو لمدلولها العام في حركة السياق القرآني ، الذي يتناول القِسمين للجهاد . وجاء في تفسير القمي ، في ذيل الآية ( 6 ) من سورة العنكبوت : « وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ » ، قَالَ عليه السلام : « ومن جاهد نَفْسَهُ عَنِ الشَّهَواتِ وَاللَّذَّاتِ وَالمَعاصِي » « 3 » . ويمكن أن نستوحي هذا المعنى من هذه الآية ، من حيث إنّ فائدة الجهاد تعود على الإنسان نفسه ، ويتّضح ويتجلّى أكثر في الجهاد مع النفس ، وخصوصاً أنّ الآية التي جاءت قبلها ، تكلّمت عن لقاء اللَّه : « مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ . . . » ، ونعلم أنّ لقاء اللَّه ، والشهود والقرب منه ، هو الهدف الأصلي للجهاد مع النفس . وكذلك جاء في آخر آيةٍ من سورة العنكبوت : « وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ » . وهذه الآية أيضاً ناظرةٌ حسب الظاهر إلى الجهاد الأكبر ، وذلك لقرينة : ( فينا ) ، وجملة : « لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا » ، أو تتضمن مفهوماً عاماً يستوعب كلا النَّحوين من الجهاد . وجاء أيضاً في الآية ( 78 ) من سورة الحج : « وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَما
--> ( 1 ) . وسائل الشيعة ، ج 11 ، ص 122 ( باب 1 ، جهاد النفس ) . ( 2 ) . بحار الأنوار ، ج 67 ، ص 65 . ( 3 ) . تفسير القمي ، ج 2 ، ص 148 ؛ بحار الأنوار ، ج 67 ، ص 65 .